أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

63

نثر الدر في المحاضرات

قال بعض الزّهاد : قد أعياني أن أنزل على رجل يعلم أني لست آكل من رزقه شيئا . قال آخر : يا ابن آدم ، ما لك تأسف على مفقود لا يردّه عليك الفوت ، وتفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت . قال إبراهيم بن أدهم « 1 » : نحن نسل من نسل الجنة سبانا إبليس منها بالمعصية ، وحقيق على المسبيّ ألا يهنأ بعيشه حتى يرجع إلى وطنه . قيل لمحمد بن واسع : فلان زاهد فقال : وما قدر الدنيا حتى يحمد من يزهد فيها ؟ كتب زاهد إلى آخر : صف لي الدنيا والآخرة . فكتب إليه : « الدّنيا حلم ، والآخرة يقظة ، والمتوسط بينهما الموت ، ونحن في أضغاث ننقل إلى أجداث » . قيل لآخر : ما لك تدمن المشي على العصا ، ولست بكبير ولا مريض ؟ قال : لأعلم أني مسافر ، وأنها دار قلعة ، فإن العصا من آلة السفر . قيل لآخر : أتعبت نفسك ، قال : راحتها أطلب . كتب آخر إلى عابد : بلغني تفرّغك للعبادة فما سبب المعاش ؟ فكتب إليه : يا بطّال يبلغك عنّي أني منقطع إلى اللّه وتسألني عن المعاش ؟ قال الرشيد لابن السمّاك : عظني وأوجز . فقال : اعلم أنك أول خليفة يموت . قيل لأبي حازم : ما مالك ؟ قال : شيئان لا عدم لي معهما : الرضى عن اللّه ، والغنى عن الناس . شتم رجل زاهدا ، فقال له : هي صحيفتك أمل فيها ما شئت . قال سفيان : إذا أردت أن تعرف الدنيا فانظر عند من هي . وقال غيره : « كل شيء فاتك من الدنيا فهو غنيمة » . وقال معدان : اعمل للدّنيا على قدر مكثك فيها ، وللآخرة كذاك .

--> ( 1 ) إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي البلخي ، أبو إسحاق ، زاهد مشهور عالم ، له أخبار كثيرة ، توفي سنة 161 ه ( الأعلام 1 / 31 ، البداية والنهاية 10 / 135 ، حلية الأولياء 7 / 367 ) .